القاضي عبد الجبار الهمذاني
277
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وبعد . . فإنها حيث حصلت ، إنما كانت تحصل ، في وقت من الزمان ، لا على طريق الدوام ، وقد كان يجب أن ينشأ غلوا بالمعارضة ، في حال زوال الحرب ، لو كانت ممكنة ؛ على أنه كان يجب ، إن كانت ممكنة ، وانشغلوا عنها ، أن يحتجوا بكلام الفصحاء المتقدمين ؛ وأن يتمكن من تأخر عن النبي ، صلى اللّه عليه ، وقد زالت الحرب ، من مثله ؛ والمعاداة في كل عصر قائمة ، في طبقة من المكذبين ، والمنافقين ؛ وكل ذلك يبطل ما تعلقوا به . . على أن المتعالم ، من حال كثير من الفصحاء : أن حال الحرب تحرك من طبعه ، في الفصاحة ، ما يتمكن معه مما لولا الحرب لم يتمكن ، وهذا معلوم ، من حال شعرائهم ، فيما كانوا يوردون ، في هذه الحال ، من الشعر والكلام ، وغيره ؛ على أن استعمال اللسان ، في الكلام ، مع العلم بكيفيته في القلب ، بمنزلة استعمال السيف وآلات الحرب في المحاربة ، فلم صار ذلك مانعا من المعارضات ، مع أن الآلات متغايرة ، ولا يتنافى الفعل بها ؟ ! ؛ ولم صارت هذه الآلات ، واستعمالها في الحرب ، بأن تمنع من الكلام الفصيح ، بأولى من أن تمنع الكلام الفصيح منها ؟ ! ؛ وهذا ركيك من الكلام . . فإن قال : جوزوا أن المعارضة كانت ممكنة ، لكن القهر والغلبة ، منه ، صلى اللّه عليه ، ومن المستجيبين له ، خوّف من الإتيان بها . فلذلك عدلوا عنها . قيل له : فهلا عدلوا عن المحاربة لهذه العلة ؟ وعن المهاجاة ، لمثلها ، وعن الوقيعة فيه ، ونسبته إلى الجنون ، والسحر ، إلى سائر ما حكى عنهم ؟ ! . وبعد . . فإنما كثر مستجيبوه بعد ادعاء النبوة ، بزمان ؛ لأنه كان قليل العدد ، كالمستضعف ، حتى خاف ، وهاجر ، وطلب النصرة ؛ فكيف يصح ما ذكروه !